الخميس، 11 يونيو، 2009

بموضوعية


من المسلسلات القليلة التي تابعتها علي التلفاز كان مسلسل رمضاني بطولة فردوس عبد الحميد .. وفي الحقيقة لا أعرف السبب الوجيه الذي جعلني أتابع المسلسل رغم علمي بأن مشاهدة فردوس عبد الحميد ليست أفضل شيء يقوم به المرء لشغل وقت فراغه ..

أتذكر أن زوجها طلقها في بداية المسلسل وتزوج بأخرى فساءت حالتها النفسية وعانت الأمرّين في حياتها .. حتى قررت الانتقام .. فاستغلت باقي الحلقات لتوجه الضربات إلى زوجها وأخذت تدبر له المكائد وتخطط له المقالب حتى وجهت له ضربتها الكبرى حين استبدلت حقيبة أوراقه قبل ان يعلن عن مشروع هام أمام الإعلام فخسر كل شئ .. وهكذا انتصر الخير في النهاية وخرج زوجها الوغد مهزوماً وفرح المشاهدون ..

في الحقيقة هذا المسلسل يلعب على فكرة أن الشعب المصري شعب عاطفي يزن الأمور بقلبه قبل عقله ..

يحدث الطلاق فيبتعد الزوج عن الأحداث وتظل الكاميرا مع الزوجة لمدة حلقتين لتصور كم هي ملاك طاهر مرهف الحس لا يتوقف عن البكاء .. إذن فالزوج وغد خائن .. ولو أننا نظرنا للوضع بموضوعية من منظور فوقي سنجد أن الرجل طلق زوجته .. هذا حقه .. فأحالت حياته جحيما وأفسدت مشروعه .. إذن لا يمكن أن نتعاطف مع البطلة لمجرد أن زوجها طلقها و ( عيطتلها حلقتين ) ..

تعال إلى عناوين الصحف بعد أي امتحان من امتحانات الثانوية العامة واقرأ معي "مذبحة الفيزياء" – "مأساة الكيمياء" – "ألغاز التفاضل" مع صورة لأحد الطلبة باكياً وتقرأ التفاصيل لتجد طالب يقول أن الامتحان أضاع مجهود عام دراسي كامل وآخر يقول أن الامتحان أضاع أمله في درجات مرتفعة .. لتجد نفسك تتأسف على حال هؤلاء الطلبة المساكين وتدعو الله أن ينتقم من واضعي الامتحان وتتحسر على ظلم وزير التعليم للطلبة .. هذا هو التفكير العاطفي الذي أقصده ..

حسناً .. دعنا نحلل الأمر بموضوعية .. هل من المفترض أن يجيب جميع الطلبة عن كل الأسئلة ؟ .. بالطبع لا .. كي يكون الامتحان نموذجياً يجب أن يحتوي على مستويات متدرجة من الأسئلة لتحدد مستوى الطلبة .. أي أنه من المفترض أن يحتوي الامتحان على 20% من الأسئلة لا يستطيع الإجابة عنها سوى أفضل 20% من الطلبة .. إذن فهو أمر منطقي أن تجد 80% من الطلبة وقد عجزوا عن حل خمس أسئلة الامتحان ..

الواقع أن أحداً لا يعترف بهذا التفكير العقلاني ويصروا على اتهام الامتحانات بالتعجيزية مما يمثل ضغطاً كبيراً على واضعي الامتحانات .. فتأتي الامتحانات أسهل ويؤدي ذلك إلى المجاميع الخرافية الحالية حيث تتركز حوالي نصف المجاميع فوق مجموع 90% ..

تخيل معي خبراً عن سيارة مسرعة صدمت طفلاً صغيراً على الطريق السريع وقل لي انطباعك .. حسناً .. لا تنظر إليّ هكذا .. أعرف أن هذا الأمر من المسلّمات ولكن قل لي .. ها .. جنون السرعة .. الشباب الأرعن .. وماذا ؟ .. التهور واللامبالاة .. الاستهتار بحياة الناس ..

كل هذا جميل .. ولكن ألا يمكن أن يكون الطفل هو المخطئ ؟ .. تنظر إليّ باندهاش وتقول كلاماً من طراز " هذا طفل صغير فكيف تلوم عليه ؟ " .. بالظبط هذا ما أقصده .. الخطأ ليس على الطفل لمجرد أنه طفل .. رغم أن هذه الحادثة غالبا ليست خطأ السائق .. السائق يقود على الطريق السريع المخصص للقيادة المسرعة .. والطفل يندفع إلى الطريق وسط السيارات .. فيحدث الاصطدام .. ولكن من يستطيع قول ذلك ؟ .. لا بد من خبر عن الحادثة مثير للمشاعر من النوع الذي يضع صورة للطفل يلعب بين زملائه في المدرسة .. فلا تستطيع إلا أن تفكر وتحكم باستخدام عاطفتك فقط ..

في الاسكندرية هناك عدة عمارات سكنية مبنية في منطقة يقول المسئولون أنها معرضة لانهيارات جبلية .. هذا بالإضافة إلى العمارات الآيلة للسقوط في مناطق كثيرة من الدولة .. حاول أن تطلب أن تقوم الحكومة بإخراج السكان وإزالة العمارات وانظر إلى رد فعل الناس ..

في تقرير عن عمارات مشابهة على إحدى القنوات أخذ سكان تلك العمارات يسبّون الحكومة ويدعون عليها .. ومنهم من هدد بالاعتصام في المبنى .. ومنهم من قال أن هذه العمارات موجودة منذ زمن و( ربنا اللي بيستر ) .. وآخر قال متبعا نظرية المؤامرة ( لمصلحة مين البيوت دي تتهدم ؟ ) .. إنها لمصلحتك انت يا سيدي .. فكر بموضوعية .. أم أنك تنتظر حادثة دويقة أخرى ؟ .. ولو حدثت سيلقي اللوم على الحكومة لتقاعسها عن إخراج السكان من منازلهم قبلها ..

فلننحي مشاعرنا يا سادة .. ولنجعل القلب لا يسبق العقل في الحكم على الأمور .. ولنفكر بموضوعية .. ولنرى الأمور دائماً من منظور فوقيً .. حتى لا نجد أنفسنا نتعاطف .... مع فردوس عبد الحميد !!